عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
172
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
والإرادة والبقاء ، والجسد خليفة الروح ، وهو مجتمع صفاته التي باجتماعها في الروح علمنا أنه خليفة اللّه ، وبذلك علمنا أن الجسد خليفة الروح ، لأنا وجدنا الجسد قبل اتصال الروح به وبعد انفصاله عنه خاليا عن هذه الصفات ، فلما تعلق الروح به وجدنا فيه هذه الصفات علمنا أنه بخلافة الروح اتصف بهذه الصفات ولو لم يكن الروح متصفا بهذه الصفات لخلافته الحق تعالى لم يكن الجسد بها متصفا ، فبقي أن الروح باق أبدا والجسد فان ، فإن قلنا : وذلك لأن البقاء الأبدي من خاصية الروح فهو مختص بالأصالة دون خليفة وهو الجسد فإنه حادث أبدي دون أزلي . ثم اعلم أن الأرواح كلها خلقت من روحه - صلى اللّه عليه وسلّم - كما روينا في حديث جابر وأن روحه أصل الأرواح ، ولهذا سمي أميا ، أي : أم الأرواح ، فكما كان أدم - عليه السلام - أبا البشر ، كان النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - أبا الأرواح وأمها . كما كان آدم أبا حواء وأمها ، وذلك أن اللّه تعالى لما خلق روح النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - كان اللّه ولم يكن معه شيء إلا روحه وما كان شيء آخر حتى ينسب روحه إليه أو يضاف إليه غير اللّه . فلما كان روحه أول باكورة أثمرها اللّه تعالى بإيجاده من شجرة الوجود وأول شيء تعلق به القدرة شرفه بتشريف إضافته إلى نفسه تعالى فسماه روحي ، كما سمى أول بيت من بيوت اللّه وضع للناس وشرفه بالإضافة إلى نفسه فقال له : بيتي . ثم حين أراد أن يخلق آدم سواه ونفخ فيه من روحه أي : من نفخ الروح المضاف إلى نفسه وهو روح النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - كما قال تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : 29 ] فكان روح آدم من روح النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - بهذا الدليل ، وكذلك أرواح أولاده لقوله تعالى : ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ [ السجدة : 9 ] . وقال في مريم - عليها السلام - : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التّحريم : 12 ] فكان النفخ لجبريل - عليه السلام - وروحها من روح النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - المضاف إلى الحضرة وهذا أحد أسرار قوله - صلى اللّه عليه وسلّم - : آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة « 1 » . وقد أتى النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - بروحه ليلة المعراج في صورة ملك فعرفه حق المعرفة كما جاء في حديث المعراج فيما يرويه عبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن مسعود وغيرهما في حديث طويل إلى أن قال - صلى اللّه عليه وسلّم - ثم رأينا ملكا قد امترقت رجلاه في الأرضين السفلى وامترق رأسه من السماء السابعة العليا غلظ كل جناح من أجنحته مسيرة خمسمائة عام ، وما بين كل جناحين مسيرة خمسمائة عام للراكب المسرع ، ومن لدن رأسه إلى منتهى قدميه ممتلئا
--> ( 1 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب المناقب ، باب في فضل النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، حديث رقم ( 3615 ) . ورواه أحمد في المسند عن عبد اللّه بن عباس ، حديث رقم ( 2550 ) .